الشيخ السبحاني

67

سيد المرسلين

شعراءهم خصّصوا مساحات كبيرة في قصائدهم لامتداح الخمرة ووصفها وكانت الحانات مفتوحة في وجه الناس طيلة الوقت تستقبل الزبائن ، وقد نصبت عليها رايات . فها هو شاعرهم يقول : إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة * تروّي عظامي بعد موتى عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنّني * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها « 1 » لقد بلغت معاقرة الخمر من الرواج في الحياة العربية الجاهلية بحيث أصبحت لفظة « التجارة » تعادل في عرفهم بيع الخمور ، والاتجار بها . ( 1 ) ولقد كانت الأخلاق تفسر عند العرب الجاهلية بنحو آخر عجيب ، فإنهم مثلا كانوا يمدحون الشجاعة والمروءة والغيرة ، ولكنهم كانوا يقصدون من « الشجاعة » القدرة على الإغارة وسفك الدماء ، وكثرة عدد القتلى في الحروب ! ! كما أن الغيرة كانت تعني عندهم وأد البنات حتى أن هذا العمل الوحشيّ كان يعدّ عندهم من أعلى مظاهر الغيرة ، وكانوا يرون الوفاء والوحدة في نصرة الحليف حقا أو باطلا ، وهكذا فان أكثر القصص التي نقلت عن شجاعتهم وشغفهم بالحرية كانت الشجاعة والشغف بالحرية فيها تتلخص وتتجسّد في الإغارة والانتقام . انهم كانوا يعشقون - في حياتهم - المرأة والخمرة والحرب ليس غير . ( 2 ) النزوع إلى الخرافة والأساطير في المجتمع الجاهلي : ولقد بيّن القرآن الكريم أهداف البعثة المحمّدية المقدسة بعبارات موجزة ، وممّا يلفت النظر - أكثر من أيّ شيء - ما ذكره تعالى في الكتاب العزيز حول أهم هذه الأهداف والغايات العليا إذ قال : « وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير مفاتيح الغيب : ج 2 ص 262 طبعة مصر 1305 . ( 2 ) الأعراف : 157 .